الجمعة , نوفمبر 16 2018
الرئيسية / اسلامبات / الإحتفال بالمولد النبوي الشريف بين التأصيل والتبديع

الإحتفال بالمولد النبوي الشريف بين التأصيل والتبديع

الإحتفال بالمولد النبوي الشريف بين التأصيل والتبديع

في  ذكرى “المولد النبوي” تجدد الجدل حول “مشروعية” الاحتفال بالمناسبة الدينية، التي يحتفل بها المسلمون في اليوم الـ12 من شهر “ربيع الأول” من كل عام، بحسب التقويم الهجري.

وقد أكدت أغلب الفرق الإسلامية بأن الاحتفال بذكرى مولد النبي محمد(ص) “جائز شرعاً”، بل واعتبرته “من أفضل الأعمال وأعظم القربات”، باعتبار أنه يعبِّر عن “الفرح والحب للنبي(ص)”.

إلا أن هناك قلة قليلة من المسلمين -إمتازت بالتطرف والتكفير- ذهبت إلى حرمة الإحتفال بالمولد النبوي الشريف على خلاف كل المذاهب الإسلامية، لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، بل وزادت على البدعة وقالت: أنه لا يجوز الأكل من الذبائح التي قدمت قرابين في إحياء المولد النبوي لما يُرتكب فيه-الإحتفال- من إنتهاك للمحرمات والمنكرات التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك، وهذا طبعا خلاف لما ثبت تاريخياً.

ومِن أدلّة شرعيّة الاحتفال بذكرى المولد النبويّ المبارك.. قولُه تعالى: ولَقَد أرسَلْنا مُوسى بآياتِنا أنْ أخْرِجْ قومَكَ مِن الظُّلُماتِ إلى النورِ وذكِّرْهم بأيّام الله، إنّ في ذلك لآياتٍ لكلِّ صَبّارٍ شَكُور (17)، ويُفهَم مِن هذه الآية الكريمة أمرٌ إلهيّ بالتذكير بأيّام الله عزّوجلّ؛ إذْ هو أمرٌ مطلوب محبوب يترتّب عليه خيرٌ كثير، بل وآثارٌ نافعة مربّية للأمّة.
وإنّما المقصود من ذلك هو التذكير بالوقائع الكبرى السالفة، وقد سُمِّيتْ بالأيّام لأنّ الأيّام ظرفٌ لهذه الوقائع، سواءٌ منها أيّام النعمة أم أيّام البلاء والمحنة.. فهذه الحوادث هي مصاديقٌ لفاعليّة سنن الله سبحانه في المجتمعات البشريّة، لذا يكون التذكير بها أحدَ مهمات الرسول أو النبيّ، وجانباً من تبليغه وتربيته لأمّته، فتلك الأيّام دروسٌ وآياتٌ ودلائلُ لكلّ صبّارٍ شكور (18).
والأمّة الإسلاميّة في تاريخها العظيم مرّت بحوادث ووقائع كبرى كانت محلاًّ للعبرة والاتّعاظ وأخذ الدروس واستلهام المعاني العظمى، منها مولدُ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وسلّم، فيأتي الاحتفال بهذه المناسبة الجليلة ممارسةً عباديّة ومصاداقاً لذِكْر نعمةٍ عظمى مَنّ اللهُ تبارك وتعالى بها على البشر.. وقد سلّم اللهُ عزّوجلّ على نبيّه يحيى بن زكريّا عليهما السّلام فقال في مُحكَم تنزيله المجيد: وسَلامٌ عليه يومَ وُلِد ويومَ يموتُ ويومَ يُبعَث حيّاً (19)، بل وسلّم عيسى ابنُ مريم عليهما السّلام على نفسه في هذه الوقائع فقال ـ كما يذكر كتابُ الله العزيز ـ: والسلامُ علَيَّ يومَ وُلِدتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعَثُ حيّاً (20).
والمصطفى محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وهو أولى بالسلام عليه يوم مولده الأغرّ، وأَولى بالتذكير به في صورةٍ أبهجَ وأعظمَ ما يمكن أن تكون، والاحتفال بذلك اليوم الشريف صورة معبرّة عن التذكير والتعظيم معاً، وهو مِن أقلِّ ما ينبغي إقامته؛ شكراً لنعم الله العظمى بمولده المبارك، وتكريماً لجهود رسول الله صلّى الله عليه وسلم في تبليغ رسالة الإسلام وإحياء هذه الذكرى هي في الحقيقة إحياءٌ لروح الإسلام في قلوب أبناء هذه الأمّة المرحومة.

ويقول المؤرّخون: كان ازدياد التعظيم للنبيّ صلّى الله عليه وسلم بين أهل الورع والصلاح سبباً في أن صار يُحتَفَل بمولده منذ عام ( 300 هجريّة )، أي منذ هذا التاريخ صار الاحتفال يتّخذ صورة اجتماعيّةً كبيرة. قال القسطلانيّ: ولا زال أهلُ الإسلام يحتلفون بشهر مولده صلّى الله عليه وسلم، ويعملون الولائم ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويُظهِرون السرور ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويَظهرُ عليهم مِن بركاته كلُّ فضل عميم.. إلى أن قال: فرحمَ اللهُ امرءً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً.
وقال ابن عبّاد في رسائله الكبرى: وأمّا المولد ( النبويّ ) فالذي يظهر لي أنّه عيدٌ مِن أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكلُّ ما يُفعَل فيه ممّا يقتضيه وجودُ الفرح والسرور بذلك المولد المبارك.. مِن إيقاد الشمع، وإمتاع البصر والسمع، والتنزيّن بلباسٍ فاخر الثياب، أمرٌ مُباح لا يُنكِر عليه أحد
أجل.. وقد جاء في سورة قُرآنيّة سُمّيت بـ « المائدة » قولُه تعالى: إذْ قالَ الحَواريّونَ يا عيسى ابنَ مَريمَ: هل يستطيع ربُّك أنْ يُنزِّلَ علينا مائدةً مِن السماءِ ؟ قالَ: آتّقُوا اللهَ إنْ كنتُم مؤمنين * قالوا: نُريدُ أنْ نأكلَ منها وتطمئنَّ قلوبُنا ونَعلمَ أنْ قد صَدَقْتَنا ونكونَ عليها مِنَ الشاهدين * قال عيسى ابنُ مريمَ: آللّهمَّ ربَّنا أنْزِلْ علينا مائدةً مِن السماءِ تكونُ لنا عِيداً لأوَّلِنا وآخِرِنا وآيةً مِنكَ وآرزُقْنا وأنتَ خيرُ الرازقين  فكيف يكون نزولُ مائدة عيداً ـ كما في قول عيسى سلام الله عليه ـ ولا يكون مولدُ أشرفِ الأنبياء والمرسلين وأعظمِهم.. عيداً لهذه الأمّة ؟!
ذلك اليوم الذي كان به إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عمى الشرك والكفر والفسوق إلى بصيرة التوحيد والإيمان والتقوى والصلاح. وقد أُلِّفت العديد من المصنّفات، من الكتب والرسائل، ونُشرت بحوثٌ كثيرة في عظمة يوم المولد النبويّ ومشروعيّة الاحتفال به وبسائر المواسم الإسلاميّة منها:
1 ـ كتاب ( التنوير في مولد السراج المنير ) لابن دِحْية الذي ألّفه للأمير مظفّر الدين.
2 ـ رسالة السيوطيّ المسمّاة بـ « حُسْن المَقْصد ».
3 ـ كتاب ( المولد ) لابن الربيع.
4 ـ كتاب ( النعمة الكبرى على العالَم في مولد سيّد وُلْد آدم ) لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيثميّ الشافعيّ.

منقول للامانة المرصد الجزائري

عن دار الشيوخ إنفو

شاهد أيضاً

فضائل شهر رمضان

فضائل شهر رمضان من حكمة الله سبحانه أن فاضل بين خلقه زماناً ومكاناً، ففضل بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *